louisa
04-02-2011, 03:06 PM
يقولون عندما تزور مدينة تدير ظهرها للبحر ستشعر بالغربة.
يقولون أنها مدينة متحجرة القلب، تلتف على نفسها كأنها تريد الاحتفاظ بأسرارها.
يقولون ا أنها مدينة لا تمنح نفسها للغرباء بسهولة.
و مع ذلك أحببتها...
هذه المدينة المصابة بانفصام الشخصية
هذه المدينة التي تتحدث لغتين و تلبس ثوبين أحدهما عصري جميل و آخر قديم و مرقع و تفكر
بمنطقين منطق البطر ومنطق الفقر.
تتجول في حيدرة أو الخليج فتظن نفسك على الضفة الأخرى من المتوسط. تذهب إلى باب الواد
أو بوزريعة فتتأكد انك مازلت هنا.
مدينة الانتقال من شرقها إلى غربها يشبه الانتقال من الفردوس إلى الجحيم.
أحببت بيوتها البيضاء و شرفاتها الزرق أحببت أزقتها، أسواقها، قصبتها العريقة و شعرت أنني
أنتمي إليها أنا التي لا أنتمي إلى أي مكان، فقد ولدت بالأوراس و عشت في الصحراء ووقعت
في حب البحر.
أهيم على وجهي منذ ساعات مطر خفيف يغسل الشوارع و الطرقات، البرد شديد رغم ذلك
انتابتني رغبة ملحة في الخروج و السير رغم الخوف، بالأمس انفجرت سيارة مفخخة مخلفة
دمارا كبيرا و العديد من القتلى و الجرحى.
اتصلت أمي طالبة مني العودة إلى البيت، اتصل الأصدقاء للاطمئنان علي ..اتصل الجميع إلا
أنت...
ترى لم يعد أمري يهمك؟ غاضب مني؟
أتفهم غضبك، أما لا مبالاتك فلا و هذا ما زاد من حزني و عمق جراحي...
كل صباح كنت أمر به في طريقي إلى المعهد ألقي عليه التحية فيرد بابتسامة واسعة و إشارة من
يده. العم حسان، صاحب كشك الجرائد و المجلات، وجدوه أشلاء لم يعرفوه سوى من خلال
البيريه الذي يعتمره.
حسيبة، توفيق، منير، رشيدة، عماد و كل الذين قضوا في الانفجار لم يكونوا أصدقائي و لا حتى
من معارفي، لكن حدث و تقاطعت خطواتي مع خطواتهم، و التقت نظراتي بنظراتهم، و كان
يمكن أن ألقى نفس مصيرهم. أي ذنب اقترفوا ليلقوا هذه النهاية البشعة؟
أستعيد كلماتك لي: لا أريدك أن تسافري أخاف عليك من تلك المدينة.
لم يكن بإمكاني البقاء ليس بعد المعركة التي خضتها من أجل الحفاظ على حقي في الحصول على
هذه الدورة التكوينية،و لم يكن بإمكانك أن تتفهم موقفي رغم ذلك احتفظت ببعض الأمل ربما
غيرت رأيك مع الوقت، لكنك بقيت على إصرارك و الآن أيقنت أنك لن تغفر لي..
إلى هذا الحد؟ أي جريمة ارتكبت؟ كل هذا لأني رفضت إضاعة فرصة قد لا تتكرر، ثم إن
المسألة مسألة شهور فقط فلما كل هذا الغضب؟
حزينة أنا حتى الموت و البحر حزين، اكتسى لونا رماديا، في عرضه سفن تغادر مرافئها و
أخرى تبحث لها عن مرفأ... لم أشعر بخطواتي و هي تقودني إلى هنا، كنت بحاجة لاستنشاق
هواء نقي لأطرد من صدري رائحة الغبار و الدم والموت.
سرت بمحاذاة شاطئ كيتاني حتى وصلت إلى عرين الأسد كما تسميه أنت مقر إتحاد العاصمة...
جئت إلى هنا في الصيف، كان المكان يعج بضحكات الأطفال و العشاق و الشبان الذين يجلسون
على الصخور ينظرون صوب البحر و هم يحلمون ربما بالعبور إلى الضفة الأخرى. أما اليوم
فالمكان هادئ و حزين و فارغ.
كل الأماكن التي طالما حدثتني عنها صرت أعرفها... أتجول فيها كأنني أتوقع ملاقاتك صدفة و
ربما كنت أبحث عن نفسي لا غير ففي غيابك تفقد الألوان بهجتها و الشمس دفأها و البحر زرقته
لو كنت معي الآن لما شعرت بكل هذا البرد
لو رن المنبه في وقته المحدد و لم أتأخر في النهوض، ربما كنت الآن ضمن القائمة المعلقة على
أبواب المستشفيات و أقسام الاستعجالات.
لو لم أحببك لما شعرت بكل هذا الألم و هذا اليأس.
لكنك لم تكلف نفسك حتى عناء الاتصال للاطمئنان علي.
إنها تمطر بغزارة الآن، أوقف سيارة تاكسي يسألني السائق إلى أين؟ لا أجرأ على إعطائه
العنوان بالضبط. ما إن يسمع العنوان حتى يسترسل في حديث طويل عن الإرهاب و ما يفعله بنا.
أستمع إليه بصمت و ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟، هؤلاء الذين حولوا أجسادهم قنابل أليسوا منا؟ ماذا
غير اليأس و الفقر يدفع الإنسان إلى حافة الهاوية؟ الإرهاب ليس له ما يبرره لكن ما الذي يبرر
الظلم و التهميش و الإذلال في وطن يرفع شعار العزة و الكرامة؟ لا أتفوه بكلمة..ما زلت في
حالة صدمة، العاصمة أيضا في حالة صدمة، الشوارع تكاد تكون خالية، الأمن في كل مكان،
السائق ما زال يحدثني عن جاره الذي لم يعرف ما حل بشقيقه الذي يسكن في منطقة قريبة من
مكان الانفجار و ما زال يبحث عنه منذ الأمس في مستشفيات العاصمة، عندما يتوقف أخيرا أدفع
الحساب و أهبط. مضطرة للسير تحت المطر حتى أصل إلى بيت عمتي حيث أقيم بسبب الطوق
الأمني المضروب على المنطقة، الظلام بدأ يهبط معلنا نهاية يوم شاق و صعب، أضم معطفي و
أنا أسرع الخطى... من بعيد و أمام مدخل العمارة ألمح شخصا يقف تحت المطر، ما إن يلمحني
حتى يتوجه نحوي... أقف في مكاني بلا حراك عندما يقترب أتبين ملامحك من خلال ضوء
الشارع الخافت فينهمر دمعي لكنك لا تلحظ ذلك لأنني رغم البرد و المطر كنت أبتسم.
يقولون أنها مدينة متحجرة القلب، تلتف على نفسها كأنها تريد الاحتفاظ بأسرارها.
يقولون ا أنها مدينة لا تمنح نفسها للغرباء بسهولة.
و مع ذلك أحببتها...
هذه المدينة المصابة بانفصام الشخصية
هذه المدينة التي تتحدث لغتين و تلبس ثوبين أحدهما عصري جميل و آخر قديم و مرقع و تفكر
بمنطقين منطق البطر ومنطق الفقر.
تتجول في حيدرة أو الخليج فتظن نفسك على الضفة الأخرى من المتوسط. تذهب إلى باب الواد
أو بوزريعة فتتأكد انك مازلت هنا.
مدينة الانتقال من شرقها إلى غربها يشبه الانتقال من الفردوس إلى الجحيم.
أحببت بيوتها البيضاء و شرفاتها الزرق أحببت أزقتها، أسواقها، قصبتها العريقة و شعرت أنني
أنتمي إليها أنا التي لا أنتمي إلى أي مكان، فقد ولدت بالأوراس و عشت في الصحراء ووقعت
في حب البحر.
أهيم على وجهي منذ ساعات مطر خفيف يغسل الشوارع و الطرقات، البرد شديد رغم ذلك
انتابتني رغبة ملحة في الخروج و السير رغم الخوف، بالأمس انفجرت سيارة مفخخة مخلفة
دمارا كبيرا و العديد من القتلى و الجرحى.
اتصلت أمي طالبة مني العودة إلى البيت، اتصل الأصدقاء للاطمئنان علي ..اتصل الجميع إلا
أنت...
ترى لم يعد أمري يهمك؟ غاضب مني؟
أتفهم غضبك، أما لا مبالاتك فلا و هذا ما زاد من حزني و عمق جراحي...
كل صباح كنت أمر به في طريقي إلى المعهد ألقي عليه التحية فيرد بابتسامة واسعة و إشارة من
يده. العم حسان، صاحب كشك الجرائد و المجلات، وجدوه أشلاء لم يعرفوه سوى من خلال
البيريه الذي يعتمره.
حسيبة، توفيق، منير، رشيدة، عماد و كل الذين قضوا في الانفجار لم يكونوا أصدقائي و لا حتى
من معارفي، لكن حدث و تقاطعت خطواتي مع خطواتهم، و التقت نظراتي بنظراتهم، و كان
يمكن أن ألقى نفس مصيرهم. أي ذنب اقترفوا ليلقوا هذه النهاية البشعة؟
أستعيد كلماتك لي: لا أريدك أن تسافري أخاف عليك من تلك المدينة.
لم يكن بإمكاني البقاء ليس بعد المعركة التي خضتها من أجل الحفاظ على حقي في الحصول على
هذه الدورة التكوينية،و لم يكن بإمكانك أن تتفهم موقفي رغم ذلك احتفظت ببعض الأمل ربما
غيرت رأيك مع الوقت، لكنك بقيت على إصرارك و الآن أيقنت أنك لن تغفر لي..
إلى هذا الحد؟ أي جريمة ارتكبت؟ كل هذا لأني رفضت إضاعة فرصة قد لا تتكرر، ثم إن
المسألة مسألة شهور فقط فلما كل هذا الغضب؟
حزينة أنا حتى الموت و البحر حزين، اكتسى لونا رماديا، في عرضه سفن تغادر مرافئها و
أخرى تبحث لها عن مرفأ... لم أشعر بخطواتي و هي تقودني إلى هنا، كنت بحاجة لاستنشاق
هواء نقي لأطرد من صدري رائحة الغبار و الدم والموت.
سرت بمحاذاة شاطئ كيتاني حتى وصلت إلى عرين الأسد كما تسميه أنت مقر إتحاد العاصمة...
جئت إلى هنا في الصيف، كان المكان يعج بضحكات الأطفال و العشاق و الشبان الذين يجلسون
على الصخور ينظرون صوب البحر و هم يحلمون ربما بالعبور إلى الضفة الأخرى. أما اليوم
فالمكان هادئ و حزين و فارغ.
كل الأماكن التي طالما حدثتني عنها صرت أعرفها... أتجول فيها كأنني أتوقع ملاقاتك صدفة و
ربما كنت أبحث عن نفسي لا غير ففي غيابك تفقد الألوان بهجتها و الشمس دفأها و البحر زرقته
لو كنت معي الآن لما شعرت بكل هذا البرد
لو رن المنبه في وقته المحدد و لم أتأخر في النهوض، ربما كنت الآن ضمن القائمة المعلقة على
أبواب المستشفيات و أقسام الاستعجالات.
لو لم أحببك لما شعرت بكل هذا الألم و هذا اليأس.
لكنك لم تكلف نفسك حتى عناء الاتصال للاطمئنان علي.
إنها تمطر بغزارة الآن، أوقف سيارة تاكسي يسألني السائق إلى أين؟ لا أجرأ على إعطائه
العنوان بالضبط. ما إن يسمع العنوان حتى يسترسل في حديث طويل عن الإرهاب و ما يفعله بنا.
أستمع إليه بصمت و ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟، هؤلاء الذين حولوا أجسادهم قنابل أليسوا منا؟ ماذا
غير اليأس و الفقر يدفع الإنسان إلى حافة الهاوية؟ الإرهاب ليس له ما يبرره لكن ما الذي يبرر
الظلم و التهميش و الإذلال في وطن يرفع شعار العزة و الكرامة؟ لا أتفوه بكلمة..ما زلت في
حالة صدمة، العاصمة أيضا في حالة صدمة، الشوارع تكاد تكون خالية، الأمن في كل مكان،
السائق ما زال يحدثني عن جاره الذي لم يعرف ما حل بشقيقه الذي يسكن في منطقة قريبة من
مكان الانفجار و ما زال يبحث عنه منذ الأمس في مستشفيات العاصمة، عندما يتوقف أخيرا أدفع
الحساب و أهبط. مضطرة للسير تحت المطر حتى أصل إلى بيت عمتي حيث أقيم بسبب الطوق
الأمني المضروب على المنطقة، الظلام بدأ يهبط معلنا نهاية يوم شاق و صعب، أضم معطفي و
أنا أسرع الخطى... من بعيد و أمام مدخل العمارة ألمح شخصا يقف تحت المطر، ما إن يلمحني
حتى يتوجه نحوي... أقف في مكاني بلا حراك عندما يقترب أتبين ملامحك من خلال ضوء
الشارع الخافت فينهمر دمعي لكنك لا تلحظ ذلك لأنني رغم البرد و المطر كنت أبتسم.